
تم النشر في
February 19, 2026
منصات التفكير وصناعة القرار: قراءة تنموية في دور القمة العالمية للحكومات
فبراير 18، 2026
لم يعد مستقبل الحكومات سؤالاً مؤجلاً، ولا ترفاً فكرياً يُناقش على هامش المؤتمرات، بل بات ملفاً حاضراً يُدار اليوم قبل الغد. ففي عالم تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، أصبحت القدرة على الاستشراف، والتكيّف، واتخاذ القرار القائم على المعرفة، عنصراً حاسماً في استدامة الدول ورفاه مجتمعاتها. ومن هذا المنطلق، برزت القمة العالمية للحكومات كمنصة دولية تتجاوز مفهوم “الحدث”، لتؤدي دوراً عملياً في إعادة تعريف كيفية تفكير الحكومات، وتفاعلها مع المتغيرات، وصياغتها لسياسات أكثر جاهزية وتأثيراً.
منذ انطلاقتها، لم تقدّم القمة نفسها باعتبارها مساحة للنقاش النظري فحسب، بل كمساحةٍ عالمية لتبادل الأفكار القابلة للتطبيق، وحاضنة لتجارب دولية تسعى إلى تحسين جودة حياة الإنسان. هذا الطابع العملي هو ما جعلها نقطة التقاء للمؤسسات التنموية والاقتصادية، وصناع القرار، وقادة الفكر، في حوار يركّز على أبعاد كلمة “كيف” بقدر ما يناقش ماهيّة فلسفة "ماذا".
في هذا السياق، تأتي شراكة صندوق أبوظبي للتنمية مع القمة العالمية للحكومات، الممتدة لأكثر من عقدٍ من الزمن، بوصفها نموذجاً لتكامل الأدوار بين الفكر والممارسة، وبين السياسات والنتائج. فهذه الشراكة لم تُبنَ على الحضور فحسب، بل على قناعة راسخة بأن التمويل التنموي، حين يُدار برؤية استراتيجية، يمكن أن يكون أداة لتسريع التحوّل، وليس مجرد وسيلة لمعالجة التحديات الآنية.
لقد أسهم هذا الحضور المتواصل للصندوق في القمة في نقل خبراته العملية المتراكمة في تمويل وتنفيذ المشاريع التنموية إلى مستوى استراتيجي من الحوار الدولي، حيث تتحوّل التجربة الميدانية إلى معرفة مشتركة، وتُختبر النماذج التمويلية في سياق عالمي متعدد التحديات. وهو ما يعكس توجهاً إماراتياً واضحاً يقوم على أن التنمية المستدامة لا تُبنى بالحلول الجاهزة، بل بالابتكار، وبالشراكات، وبالقدرة على قراءة الواقع بعمق.
ومع إطلاق صندوق أبوظبي للتنمية استراتيجيته الجديدة، اكتسبت هذه الشراكة بعداً إضافياً، يتمثل في إعادة تعريف دور التمويل التنموي كأداةٍ مبتكرة قادرة على إحداث أثر قابل للقياس. وتأتي مشاركة الصندوق في القمة العالمية للحكومات انطلاقاً من إيمانه بأهمية الحوار والتكامل الدولي، بوصفها منصة نوعيّة لاستشراف مستقبل التنمية وتوحيد الرؤى، وصياغة توجّهات مشتركة تُسهم في ابتكار حلول عملية تدعم الاستدامة وتعزّز رفاه المجتمعات على المدى البعيد.
ويبرز هذا التوجه بوضوح من خلال مبادرتين محوريتين أطلقهما الصندوق خلال العام الحالي، تعكسان هذا التحول في التفكير التنموي. الأولى هي مبادرة الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية في أفريقيا، التي تنطلق من إدراك عميق بأن الفجوة التنموية في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بالموارد، بل بالقدرة على الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا وتوظيفها بفعالية. ويقود تنفيذها مكتب أبوظبي للصادرات (أدكس)، ذراع تمويل الصادرات التابع لصندوق أبوظبي للتنمية، بقيمة تمويلية تصل إلى مليار دولار أميركي، فالمبادرة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية مجردة، بل كوسيلة لتمكين الحكومات والمؤسسات من تحسين التخطيط، وتعزيز كفاءة الخدمات، ودعم اتخاذ القرار المبني على البيانات، بما يخدم مسارات التنمية الشاملة في القارة الأفريقية.
أمّا المبادرة الثانية، فهي إطلاق منصة أبوظبي العالمية للمياه، التي تمثّل إطاراً دولياً لمعالجة تحديات الأمن المائي بوصفها قضايا تتقاطع مع الأمن الغذائي والصحة العامة والاستقرار الاقتصادي. وتسعى المنصة إلى استقطاب تمويلات بقيمة ملياري دولار من الشركاء الدوليين، خصّص منها صندوق أبوظبي للتنمية مليار دولار كتمويل أولي على مدى خمسة أعوام، لدعم مشاريع مستدامة تعزّز أمن المياه وتدعم صمود المجتمعات في مواجهة التغيرات المناخية، بما يُحدث أثراً مباشراً في حياة أكثر من عشرة ملايين مستفيد حول العالم.
هاتان المبادرتان، تلتقيان عند جوهر واحد: تحويل التحديات العالمية إلى فرص تنموية عبر حلول مبتكرة، وشراكات متعددة الأطراف، ونهج استباقي يربط بين المعرفة والتمويل والتنفيذ. وهو النهج ذاته الذي يحرص صندوق أبوظبي للتنمية على ترسيخه من خلال مشاركته في القمة العالمية للحكومات، ليس كشريك داعم فحسب، بل كفاعل يسهم في صياغة النقاش حول مستقبل التنمية.
إن القمة العالمية للحكومات، بما تتيحه من مساحة للحوار العملي وتبادل الخبرات، تضع المؤسسات التنموية أمام مسؤولية مستمرة: كيف نواكب سرعة التحولات دون أن نفقد البوصلة؟ وكيف نضمن أن تبقى السياسات متصلة بالإنسان، لا منفصلة عنه؟ ومن موقعه، يواصل صندوق أبوظبي للتنمية العمل على الإجابة عن هذه الأسئلة، مستنداً إلى شراكته الاستراتيجية مع القمة، وإلى تجربة تنموية تمتد لأكثر من خمسة عقود.
وفي زمن تتقاطع فيه الأزمات والتحديات، تبقى الرسالة واضحة: المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وصناعة المستقبل تتطلب رؤية، وشراكة، وإرادة تحويل الأفكار إلى واقع تنموي يترك أثراً مستداماً في حياة المجتمعات حول العالم.

سعادة محمد سيف السويدي
مدير عام صندوق أبوظبي للتنمية ورئيس اللجنة التنفيذية لمكتب أبوظبي للصادرات (أدكس)


